مجمع البحوث الاسلامية
122
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
قلبي ، لأنّي لم أملّها كما ملّتني ، ولو لم أنو قطيعتها كما نوت قطيعتي » . فقد أراد أولئك اللّغويّون أن يبعدوا معنى « البلى » عن « جديد » ، فقالوا : إنّ الشّاعر يعني به الحديث . ويؤيّد رأيي هذا أنّ المعاجم والكتب الآتية قالت : أ - إنّ الجديد هو ( المقطوع ) ، ولم تقل إنّه ( البالي ) . ب - إنّ الجديد هو ( الحديث ) . ابن الأنباريّ ، والأزهريّ ، ومعجم مقاييس اللّغة ، والمختار ، واللّسان ، والمصباح ، والمحيط - الّذي قال : ثوب جديد : كما جدّه الحائك - والتّاج ، والمدّ ، ومحيط المحيط ، والمتن ، والوسيط . وممّا قاله اللّسان : « الجدّة : نقيض البلى ، يقال : شيء جديد ، والجمع : أجدّة ، وجدد ، وجدد » وقال أيضا : « ثوب جديد : مجدود ، يراد به حين جدّه الحائك أي قطعه » . وهل يقطع الحائك ثوبا قديما ؟ وقيل : ملحفة جديد ( مقطوعة ) لأنّها بمعنى « مفعولة » . ولكنّ ابن سيده يجيز : ملحفة جديد وجديدة ، وقال سيبويه : ملحفة جديدة قليلة . وأنا أرى أنّ جديدة هنا صواب ، لأنّها بمعنى « الفاعل » من جدّ الشّيء يجدّ جدّة : صار جديدا ، نقيض خلقا . أمّا أصل معنى هذه المادّة « الجدّ » في اللّغات السّاميّة ، فهو القطع ، وقد ذكر التّضادّ العبريّة والسّريانيّة . ولست أرى « الجديد » من الأضداد ، وأرى أنّ معناه هو : أ - الحديث . ب - المقطوع ( المجدود ) حديثا من الثّوب ، ولا تعني الثّوب المقطّع . لذا أنصح باستعمال ( الجديد ) بمعنى ( الحديث ) . فالقرآن الكريم لم يأت بهذه الكلمة الّتي ذكرت فيه ثماني مرّات ، إلّا بمعنى ( الحديث ) ، كما جاء في الآية ( 16 ) من سورة فاطر : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ . ( 114 ) المصطفويّ : والّذي يظهر من التّحقيق في تلك المعاني وموارد استعمالاتها : أنّ الأصل الواحد فيها هو المقام المتحصّل من الجلال والعظمة والقدرة ، وإطلاقها على أب الأب والأمّ باعتبار كونهم سبب مجد وعظمة للرّجل ، وكونهم معظّمين وممجّدين عنده ، ولهم جلال وقدرة ومقام . وإلى هذا المعنى يرجع مفهوم : الحظّ والغنى ، فإنّه نوع جلال وعظمة ومقام قدرة . ولا يبعد أن يكون المراد من مفهوم « القطع » هاهنا هو المقطوعيّة ، بمعنى رفع التّرديد والشّكّ والتّزلزل والاحتمال ، وإطلاقها على القطع الظّاهريّ بهذا الاعتبار ، وبملاحظة حصول هذا المعنى . ويقرب منه مفهوم ( الجدّ ) في الأمر والمبالغة والعزم . وهكذا مفهوم جادّة الطّريق ، أي وسطه المتبيّن المستقيم المحفوظ عن الضّلال . وأمّا مفهوم ( الجديد ) فليس هو في مقابل القديم مطلقا ، بل ما كان متجدّدا وحادثا مع إضافة عظمة وخصوصيّة ممتازة بالنّسبة إلى سابقه ، وتظهر هذه الخصوصيّة في موارد استعماله في الكتاب الكريم . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ إبراهيم 19 ، أي ممتازا عظيما . أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً